سلسلة اجتثاث الفقر-القسم الثاني-
درجت الدراسات الاقتصادية والاجتماعية من زاوية اقتصادية بحتة وما يترتب عليها من آثار اجتماعية في هذا المقال سأعالج الفقرة من زاوية القانون الدولي لحقوق الإنسان.لأن الفقر بحد ذاته يشكل نقيضا لجميع مبادئ حقوق الإنسان ولا يقتصر على الحقوق الاقتصادية والسياسية وفي مقدمتها الحق في الحياة ويساعد هذا الربط على وضع خطط عمل مرحلية للقضاء على الفقر استنادا لمؤشرات علمية
أن المبادئ الدولية لحقوق الإنسان بنيت على ثلاث مبادئ أساسية تشكل مثلث متساوي الإضلاع : -
الأول – الكرامة الإنسانية المتساوية لجميع البشر inherent dignity
وقد ورد هذا المبدأ في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث جاء فيه بأنه لما كان الإقرار بما لجميع الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة يشكل أساس الحرية والعدل والمساواة في العالم
الثاني –مبدأ المساواة وعدم التمييز non discrimination
نصت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن جميع الناس يولدون أحرار ومتساويين في الكرامة والحقوق وهنا ظهر الترابط بين الكرامة والمساواة وقد نصت جميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من إعلانات أو اتفاقيات على مبدأ عدم التمييز بين البشر بحيث أصبح هذا المبدأ من القواعد الآمرة في القانون الدولي . ويقصد بعدم التمييز أي شكل من أشكال التميز المبني على العنصر أو القومية أو الدين أو المعتقد أو اللغة أو الأصل الاجتماعي أو الثروة ويؤدي انتهاك مبدأ عدم التمييز المبنى على الثروة والأصل الاجتماعي إلى تهميش وعزلة الفقراء
الثالث –شمولية حقوق الإنسان وعدم تجزئتها indivisibility of human rights
أكدت الأمم المتحدة في سلسلة من قرارات الجمعية العمومية على الترابط بين حقوق الإنسان وعدم تجزئتها بحيث لا يمكن معالجة الحقوق المدنية والسياسية من دون أدراك مدى أعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.المبادئ الدولية لحقوق الإنسان تناولت بشكل واضح الحقوق التي تستلزم من الفرد توفر موارد للتمتع بهذه الحقوق وهي من ثم تستلزم من الدولة توفير موارد ملائمة لتمكين الإفراد من التمتع بها ويعد الفقر نقيضا لهذه الحقوق التي تتوزع إلى
:-
أولا- الحق في مستوى معيشي لائق
Right to an adequate standard of living
نصت المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ما يأتي ( لكل شخص حق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته ولا سيما على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية وله الحق في ما يؤمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك في الظروف الخارجة عن أرادته .وكذلك نصت المادة 27 من اتفاقية حقوق الطفل على أن تعترف الدول الأطراف بحق كل طفل في مستوى معيشي ملائم لنموه البدني والمعنوي والاجتماعي .
ويلحق بهذه المواد النصوص الدولية مثلا ما ورد في الإعلان الدولي الخاص باستئصال الجوع وسؤ التغذية الذي اعتمدته الأمم المتحدة بقرارها المرقم 3348 في عام 1974 الذي نص في فقرته الأولى بأن لكل رجل وامرأة وطفل حقا غير قابل للتصرف في أن يتحرر من الجوع وسؤ التغذية
ثانيا- الحق بالتمتع بالصحة الجسمية والعقلية
Right to the enjoyment of the standard of physical and mental health
نصت المادة 12 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه وتشمل التدابير التي يتعين على الدول الإطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق تلك التدابير اللازمة من أجل
1- العمل على خفض معدل الوفيات
2- تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية
3- الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية والأمراض الأخرى وعلاجها ومكافحتها
4- تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض
ونصت المادة 24 من اتفاقية حقوق الأطفال على أن تعترف الدول الأطراف الموقعة على حق الطفل في التمتع بأعلى مستوي صحي يمكن بلوغه وبحقه في مرافق علاج الأمراض وإعادة التأهيل الصحي وتبذل الدول الأطراف قصارى جهدها لتضمن ألا يحرم أي طفل من حقه في الحصول على خدمات الرعاية الصحية وأن تتخذ الدول التدابير اللازمة لخفض الوفيات وكفالة توفير المساعدة الطبية والرعاية الصحية ومكافحة الأمراض وسؤ التغذية وكفالة الرعاية الصحية المناسبة للأمهات قبل الولادة وبعدها .
حقوق التنمية التي ينتهكها الفقر development rights
أ- نصت المادة 9 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل شخص في الضمان الاجتماعي
ب- نصت المادة 10 من نفس العهد بوجوب منح الأسرة أكبر قدر ممكن في الحماية الاجتماعية والمساعدة ولاسيما لتكوين هذه الأسرة وطوال نهوضها بمسؤولية تعهد وتربية الأولاد الذين تعيلهم
ت- نصت المادة 13 من العهد الدولي على حق كل فرد في التربية والتعليم وتقر الدول الأطراف بموجب الفقرة الثانية من نفس الماد بجعل التعليم الابتدائي إلزاميا ومجانيا للجميع وتعميم الثانوي وجعله متاحا للجميع وتشجيعا لتربية الأساسية إلى أبعد مدى ممكن من أجل الأشخاص الذين لم يتلقوا أو لم يستكملوا الدراسة الابتدائية
ث- نصت المادة الأولى من إعلان الحق في التنمية الصادر بقرار الأمم المتحدة 41-288 المؤرخ في 4-12-1986 على ما يلي :-
1-الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف وبموجب وبموجبه يحق لكل إنسان ولجميع الشعوب المشاركة الإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية والتمتع بالتنمية التي يمكن فيها أعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية إعمالا تاما
2-ينطوي حق الإنسان في التنمية أيضا على الإعمال التام لحق الشعوب في تقرير المصير الذي يشمل ممارسة حقها غير القابل للتصرف في ممارسة السيادة التامة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية
من استعراض حقوق التنمية التي تنتهك بالفقر يبدوا واضحا أن الفقر يقود نتيجة عدم التمتع بهذه الحقوق إلى تهميش الأفراد وعزلهم وإقصائهم عن المجتمع لاسيما إذا راعينا الترابط بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والشروط الموضوعية لفعالية توجهات الأمم المتحدة لما ذكرنا آنفا لمعالجة موضوع الفقر من زاوية حقوق الإنسان يمكن أن تكون بالشكل الأتي : -
1-أهمية توفير بيئة سياسية دولية تعد القضاء على الفقر التزاما دوليا على الدول كافة ولا سيما من زاوية حقوق الإنسان المبنية على التضامن الإنساني وليس من باب البر والإحسان وامتناع الدول عن أي تصرف ينطوي على المساس بحق الشعوب في السيطرة على مواردها الطبيعية
2-يجب أن توجه جهود الأمم المتحدة إلى الشعوب والدول التي تعاني الفقر نتيجة النظام الاقتصادي الدولي الراهن وآثار الحقبة الاستعمارية التي مرت عليها الشعوب والدول قبل الاستقلال وأوضاع التبعية الاقتصادية بعد الاستقلال
3- أدراج موضوع جهود الدول لقضاء على الفقر ضمن تقارير الدول الأطراف في الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان وتحويل القضاء على الفقر إلى التزام تعاهدي ومعالجة المصاعب التي تواجه الدول في القضاء على الفقر
4-التنسيق المتكامل بين اللجان المعنية برصد وتعميم تطبيق برامج العمل الصادرة من المؤتمرات العالمية حول موضوع القضاء على الفقر
5-ضرورة معالجة موضوع القضاء على الفقر من منظور حقوق الإنسان بصورة شاملة مع أجهزة الأمم المتحدة الأخرى المعنية بالقضاء على الفقر لاسيما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بحيث يكون منسقا ويعد حقوق الإنسان مرجعية موضوعية للقضاء على الفقر
المحامية سحر الياسري
يتبع رجاءا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق